النفوذ الأمريكي في فنزويلا: لماذا لا تستطيع الغارة شراء السيطرة
أظهر اختطاف الولايات المتحدة لمادورو قوة عسكرية هائلة، لكن السيطرة الفعالة على فنزويلا لا تزال تمثل تحدياً معقداً وبعيد المنال.
أظهرت إدارة ترامب مؤخراً قوتها العسكرية الهائلة باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية مُخطط لها بدقة. وبينما أثبتت العملية قدرة الولايات المتحدة على اختطاف أو قتل أي زعيم تستهدفه، فإن تحويل هذه القوة الهائلة إلى سيطرة فعّالة على دولة أجنبية يُمثل تحدياً أكثر تعقيداً.
غارة كاراكاس: استعراض للقوة
كانت الغارة على كاراكاس استعراضاً مقلقاً للقوة الجوية والبحرية الأمريكية. نجحت القوات الجوية والقوات الخاصة الأمريكية في اختراق الدفاعات الجوية الفنزويلية وأسرت مادورو دون تكبد أي خسائر بشرية أمريكية أو أضرار جسيمة في المعدات.
كانت أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية، المبنية بتكنولوجيا روسية وصينية، تُعتبر قوية بما يكفي لتشكيل تهديد حقيقي. ومع ذلك، فقد كانت في نهاية المطاف غير فعالة. ومجرد احتمال وقوع مثل هذا الهجوم دفع مادورو إلى توظيف حراس شخصيين كوبيين، مما يشير إلى مخاوف عميقة بشأن أمنه.
لا شك أن هذا الإجراء قد وجّه رسالةً مُرعبةً إلى قادة أمريكا اللاتينية، الذين بات لديهم الآن ما يدعوهم إلى التشكيك في سلامتهم. وبينما لا يزال من غير الواضح مدى اعتماد الولايات المتحدة على المتعاونين داخل فنزويلا، فمن المُحتمل أن تستخدم الإدارة الأمريكية أساليب مماثلة من الرشوة والتأثير في بوغوتا أو هافانا أو مكسيكو سيتي. هذه هي قوة التدمير، وهي قدرةٌ تُثير الرعب الشديد.
من التدمير إلى السيطرة: فجوة حرجة
رغم نجاح العملية، يواجه طموح إدارة ترامب في السيطرة على مستقبل فنزويلا عقبة جوهرية. ففي يوم الأحد، هدد ترامب ضمنيًا بقتل الرئيسة المؤقتة الجديدة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز، إذا لم تمتثل لمطالبه. ولكن في حين أن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ هذا التهديد على الأرجح، فإن هذه القدرة لا تمنحها سلطة مطلقة على إعادة إعمار البلاد.
يعكس هذا التحدي قصورًا جوهريًا في القوة العسكرية. فالقدرة على التدمير لا تعني القدرة على السيطرة. لا يتعلق الأمر هنا بالإرادة للتحرك، بل بالصعوبة الكامنة في إدارة دولة أجنبية عن بُعد. لا تستطيع القوة الجوية الفتاكة حل معضلة الوكيل والموكل، أي حقيقة أن القادة المحليين (الوكلاء) سيكونون دائمًا أكثر إلمامًا ببيئتهم من قوة أجنبية بعيدة (الموكل).
حتى داخل حكومته، واجه ترامب صعوبة في قيادة وزارتي الدفاع والخارجية خلال ولايته الأولى، ولم يحقق أي قدر من الولاء إلا بعد تعيين موالين له في ولايته الثانية. رودريغيز، الذي أدى اليمين الدستورية يوم الاثنين، ليس بالتأكيد من الموالين لترامب، ومن المستبعد جداً أن تكون أي قيادة فنزويلية مستقبلية كذلك.
تحدي الحكم عن بعد
يستحيل على مسؤولي واشنطن أن يمتلكوا نفس المعرفة المحلية التي تمتلكها القيادة الفنزويلية. وبالتالي، سيكون إجبار الفنزويليين على التصرف ضد مصالحهم أمراً في غاية الصعوبة.
فعلى سبيل المثال، يتطلب تحديث قطاع النفط الحيوي في البلاد مفاوضات دقيقة بين النقابات العمالية، والمستثمرين، والجيش الفنزويلي، وغيرهم من أصحاب المصلحة المحليين. ولا تُعدّ الغارات الجوية أداةً قادرةً على توجيه هذه المناقشات المعقدة نحو نتيجة مثمرة.
رغم أن ترامب لم يستبعد نشر قوات برية، إلا أنه يبدو غير راغب في التزام عسكري طويل الأمد وربما خطير. وكما تعلمت الولايات المتحدة في العراق، فإن حتى الوجود البري الكبير لا يمنح سيطرة مطلقة على مجريات الأمور. لا يزال القادة العسكريون مضطرين للعمل مع السكان المحليين والسلطات لتحقيق أهدافهم.
علاوة على ذلك، أظهرت التجربة في أفغانستان أن حتى الانتشار الواسع للقوات الأمريكية لا يستطيع منع كيانات قوية كعصابات المخدرات من العمل علنًا. وبدون وجود عسكري بري في فنزويلا، تبقى الولايات المتحدة تحت رحمة جهات محلية من المؤكد أنها لن تشارك واشنطن أولوياتها. وهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تستطيع "إدارة" فنزويلا بالقوة الجوية والبحرية، مهما كان من السهل عليها إزاحة قادتها.
استراتيجية الإكراه بدون سيطرة
إلى جانب العمل العسكري المباشر، تمتلك الولايات المتحدة خيارات قسرية أخرى. من المتوقع أن يواصل سلاح البحرية الأمريكي فرض حصار على ناقلات النفط الفنزويلية لممارسة ضغط اقتصادي على كاراكاس. هذا، بالإضافة إلى تدفق رؤوس الأموال والخبرات من شركات النفط الأمريكية، قد يدفع عجلة إعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي.
لكن هذه أدوات تقليدية للسياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، ولا تشكل "سيطرة" أو حتى "تغييراً حقيقياً للنظام".
في نهاية المطاف، يمثل الوضع مفارقة. فقد ادّعى ترامب فعلياً سيطرته على فنزويلا، وأظهر استعداده لاستخدام القوة المدمرة للتأثير على حكومتها. ومع ذلك، لم تُبدِ إدارته أي رغبة في اتخاذ الخطوات اللازمة لإدارة المسار السياسي والاقتصادي للبلاد بشكل فعلي.
سيكتشف المسؤولون المكلفون بإدارة فنزويلا سريعًا أن الاحتكاكات البيروقراطية ونقص المعلومات الاستخباراتية المحلية يخلقان ضبابية حرب خاصة بهما. وما لم تكن لدى الإدارة استراتيجية خفية للحكم عن بُعد، فإن أهدافها السياسية ستظل معتمدة على نفس الجنود والبيروقراطيين الفنزويليين الذين أداروا البلاد قبل فترة طويلة من اغتيال مادورو.


